نقطة نظام: كفى من الهرولة نحو اللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية
A | A+ | A- |

نقطة نظام: كفى من الهرولة نحو اللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية

إن إثارة وضعية اللغة العربية في بلادنا، ليست من باب المزايدة، ولا من باب التذكير الذي جرت به العادة كلما حل موعد 18 دجنبر، الذي يخلد فيه العالم اليوم العالمي لهذه اللغة، وإن كان التذكير مطلوبا للتحسيس والتنبيه والتقييم والاستشراف، لكن "العدالة والتنمية" يثير هذا الموضوع، لأن اللغة العربية أكبر من مجرد موعد سنوي للاحتفاء، وأكبر من تتحول إلى موضوع للاستعراض الفج الذي يهينها أكثر ما يلفت الانتباه إلى واقعها في بلادنا.

وللمغاربة علاقة خاصة باللغة العربية، فقد استقبلوها وتبنوها وعملوا على حمياتها وتطويرها، اقتناعا من روادهم وعلمائهم ومفكريهم وكافة نخبهم، أنها لغة حضارة، تتجاوز وظيفة التواصل والتعارف، بل إنهم اعتبروها بمثابة "الحبل السُّري" مع تاريخ الأمة ودينها وامتداداتها الحضارية، بل جعلوها لغة الوحدة، كيف لا وهي لغة التوحيد.

ولقد قاوم المغاربة عبر التاريخ، كل مبادرات إقصاء اللغة العربية من حياتهم اليومية، والتشويش عليها، وتهميش دورها في بناء أسس الوحدة بين شمالهم وجنوبهم وشرقهم وغربهم، وبين مختلف مكوناتهم، تارة من خلال محاولات إحلال اللغات الأجنبية بدلها، أو من خلال إيجاد أو تعميق التناقض بينها وبين اللغة الأمازيغية، فكان الأمازيغ أكثر تشبثا بها وأكثر دفاعا عنها وأشد رفضا للايقاع بينها وبين الأمازيغية.

لكن مبادرات إقصاء اللغة العربية وتهميشها بالمغرب، لم تتوقف يوما، واستُعملت في هذا الهدف الممتد عبر الزمان، آليات مختلفة، تطورت حسب تطور الدولة، وجُعل لها قادة ومنفذون، يخترقون المؤسسات السياسية والإدارية والإعلامية، مع الأسف، ويدّعون في كل مرة أن اللغة العربية لا تصلح لغة للحياة اليومية، أو قاصرة في ذلك، في أقل الأوصاف سوءا، وأنها لن تفيد في المستقبل، متذرعين بكون الحاضر والمستقبل للعلم وللتكنولوجيا الحديثة، وهي مجالات لا حظّ فيها اللغة العربية حسب زعمهم، غير أن نجاح دول عربية بادٍ اهتمامها باللغة العربية، ودول أخرى تعتمد الحرف العربي في لغتها الرسمية، ودول أخرى حمت لغتها الرسمية، في كسب رهان الحاضر ورهان العلم والتكنولوجيا، ورهان التموقع الاقتصادي والجيواستراتيجي، يُفند وينسف ادعاءات وتبريرات بعض من أبناء جلدتنا الذين كرسوا للأسف مواقعهم للحرب على هذه اللغة العربية، ولن يُفلحوا مهما حاولوا.

إننا لم نعد ندري كيف نخاطب الكثير من مسؤولينا، الذين تجعلهم مناصبهم وجوها للمغرب، ومَرائي / مَرَايا يُفترض أنها تعكس العمق الحضاري لهذه الدولة، فالصعوبة البالغة التي يتحدثون بها باللغة العربية، تحرجنا نحن المغاربة، وإهمالهم لها في اللقاءات والمنتديات والمحافل الوطنية والدولية، واختيارهم الحديث باللغات الأجنبية، يجعل المغاربة يحسون بالدّنِيّة والدَّونية اللتان لا تليقان بتاريخهم العظيم في الذّود عن اللغة العربية.

ومع ما نستشعره من حرج السؤال في كل مرة عن وضعية اللغة العربية في بلادنا، لا يسعنا إلا أن ننقل الإحراج الحقيقي إلى من يعنيهم الأمر، من المهرولين نحو الفرنسية، لأنهم هم الذين يوجدون في الوضع الخطأ إزاء تاريخ الأمة، وإزاء الدستور، وإزاء عديد القرارات والمبادرات الرسمية الداعية للاهتمام بالعربية وحمايتها، حتى أن هذه الهرولة خلقت نخبا وأجيالا تخجل من الحديث بلغتها وتجهل أبسط قواعدها، وخلقت أجيالا تعيش انهزاما نفسيا واستيلابا حضاريا

هذا الواقع يجعلنا نتساءل كيف هي وضعية اللغة العربية في المدرسة المغربية بمختلف مستوياتها، وكيف هي في البرامج والمشاريع الثقافية والبرامج الموجهة للشباب، وكيف هي في الإعلام العمومي وغيره المدعم من المال العام، وكيف هي في الحياة اليومية... في يافطات الوزارات والمؤسسات العمومية، في علامات التشوير داخل المدن وخارجها، في المراسلات والوثائق الإدارية والبنكية؟

وأين هي أكاديمية محمد السادس للغة العربية، وأين هي توجيهات رؤساء الحكومات السابقة (منشور رقم 53/98 بتاريخ 11 دجنبر 1998، ومنشور رقم 4/2008 بتاريخ 22 أبريل 2008، ومنشور رقم 16/2018 بتاريخ 30 أكتوبر 2018..) لحماية اللغة العربية؟

ويبدو أن موقفنا من القانون الإطار للتربية والتكوين، وخاصة المادتين المتعلقتين بما سمي التناوب اللغوي، كان ينبغي أن يكون أكثر قوة وأكثر تجذرا، لأن موقف الامتناع الذي عبرنا عنه حينها إزاء المادتين المذكورتين، وإن عكَس تخوفنا وهواجسنا من التضييق على اللغة العربية في التعليم، إلا أنه لم يمنع من استمرار تجريف اللغة العربية، ودفعها نحو الهامش، مقابل التمكين للغة أجنبية، هي في نهاية المطاف لغة الاستعمار، وواقع حال العربية في التعليم اليوم يؤكد صوابية تخوفنا والهواجس التي حكمت موقفنا.

ولقد حان الوقت ربما لنفكر بشكل جماعي، في نص قانوني يضمن للغة العربية مكانتها كلغة رسمية، نسميه "قانون حماية اللغة العربية وتطوير استعمالها" نجسد فيه نحن المشرعون الممثلون للأمة، المكانة التي خصها بها دستور المملكة، سواء في تصديره أو في فصله الخامس، هذا قبل أن يأتي علينا يوم يجد فيه المغاربة أنفسهم يطرحون سؤال: أين اللغة العربية في بلادنا؟

 

/ تاريخ النشر 2021-12-28

جريدة الفريق