عفيف تكتب: حين يصير التقييم تجارة على حساب التعليم..
ثورية عفيف*
في خضم الحديث المتواصل عن إصلاح التعليم، تبدو بعض القرارات الأخيرة وكأنها تكشف تحولا مقلقا في فلسفة التدبير العمومي. فإطلاق صفقات بالملايير من طرف المرصد الوطني للتنمية البشرية لتقييم مدارس الريادة لا يمكن اعتباره مجرد إجراء تقني معزول، بل هو مؤشر على انتقال تدريجي من منطق الإصلاح التربوي إلى منطق التدبير المقاولاتي، حيث تصبح المدرسة وحدة إنتاج، ويصبح التلميذ رقما، ويختزل المدرس في منفذ يخضع لقياسات متكررة.
لا خلاف حول أهمية التقييم، فهو ركيزة أساسية لأي سياسة عمومية مسؤولة. لكن الفرق كبير بين تقييم يراد به تصحيح المسار، وتقييم يتحول إلى تجارة قائمة بذاتها، ترصد له اعتمادات ضخمة في وقت تعاني فيه المدرسة العمومية من اختلالات بنيوية عميقة. حين تتقدم كلفة القياس على كلفة الإصلاح نفسه، يصبح السؤال مشروعا: هل نصلح التعليم، أم ندير صورته؟
القانون الإطار 51.17 منح اختصاص التقييم الوطني للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي عبر هيئته الوطنية للتقييم. لذلك فإن خلق مسارات موازية للتحقق الخارجي يطرح إشكالا يتجاوز الجانب الإداري إلى جوهر الحكامة. فالتقييم المستقل ليس تفصيلا إجرائيا، بل ضمانة دستورية لحماية السياسات العمومية من التوظيف الظرفي ومن ضغط النتائج السريعة.
الأخطر من ذلك هو الفلسفة الضمنية التي تؤطر هذه المقاربة. فحين ينفق المال العمومي للتحقق من نتائج يمنحها الأستاذ داخل قسمه، فإن الرسالة الواضحة هي أن الثقة تراجعت لصالح منطق التدقيق والمراقبة. غير أن التعليم ليس خط إنتاج، والمدرسة ليست شركة تخضع لمؤشرات الربح والخسارة. التعلم عملية إنسانية مركبة، تتداخل فيها الأبعاد المعرفية والنفسية والاجتماعية، ولا يمكن اختزالها في جداول مطابقة وعتبات أداء.
منطق الشركات يقوم على السرعة، والنجاعة الكمية، وتحقيق نتائج قابلة للعرض الفوري. أما التربية فتقوم على التراكم، والصبر، وبناء الكفايات على المدى الطويل. وحين يستورد إلى المدرسة منطق التحقق الصارم والقياس المتواصل كما لو أننا أمام عملية مراقبة جودة صناعية، فإننا نخاطر بتحويل القسم إلى فضاء بيروقراطي، يطغى فيه هاجس الأرقام على جوهر الفعل البيداغوجي.
ثم إن ربط الإصلاح بنتائج قابلة للتسويق السياسي قد يمنح مشروعية ظرفية، لكنه لا يبني ثقة دائمة. الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد التقارير المنجزة، بل بمدى تحسن التعلمات داخل الفصول، وبقدرة المدرسة على تقليص الفوارق، وبإعادة الاعتبار للمدرس كفاعل مركزي لا كموضوع للتدقيق.
ليست المشكلة في الاستعانة بخبرات خارجية عند الحاجة، بل في تحويلها إلى بديل عن المؤسسات الوطنية، وفي إضعاف آليات التقييم القائمة بدل تقويتها. الدولة القوية لا تفرغ مؤسساتها من اختصاصاتها، بل تطورها وتراكم خبرتها. أما حين يدار الإصلاح بعقلية المقاولة، فإن الخطر يكمن في أن تصبح الأولوية لإنتاج مؤشرات إيجابية، لا لبناء تعليم عادل وذي جودة.
التعليم ليس سلعة، ولا مشروعا قصير الأمد يقاس بعائد سريع. إنه استثمار في الإنسان، وفي المستقبل، وفي تماسك المجتمع. وأي إصلاح يتجاهل هذه الحقيقة، ويستبدل فلسفة الثقة بمنطق الشك، وفلسفة التربية بمنطق الشركات، قد يربح أرقاما على الورق، لكنه يخسر جوهر المدرسة.
* عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية





























